سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
222
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
الإنجليز أمة مجتمعة القوى ، مستكملة العدد ، مستعدة للفتوحات وذلك في زمان بليت به الأمم الشرقية بتفريق الكلمة واختلاف الأهواء وحجبت بالجهل عن معرفة أحوال العربيين وصنائعهم وعوائدهم - فكان الشرقيون يعدون كل غريبة معجزة وكل بديع من الاختراع سحراً وكرامة ، فانتهز الإنجليز تلك الفرصة واندفعوا إلى الشرق وبسطوا سلطتهم على غالب أرجائه ، وما دهموا سكانه إلا ببعض غرائب الصنعة الأوروبية - التي أثارت فيهم خواطر الأوهام . ثم زاد الوهم قوة ما نصبوه من حبائل الحيلة والختل ، حتى خلبوا قلوب المساكين وأذهلوهم عما في أيديهم ، بل أخذوهم عن عقولهم وخطرات قلوبهم فسلبوا أموالهم وانتزعوا منهم أراضيهم وأجلوهم عن أملاكهم فاستغنت الأمة الإنجليزية بما سلبت وأثرت بما نهبت وترفت بما ملكت ! نعم ذهب الإنجليز إلى الهند في قوى مجتمعة وتسابقوا مع الفرنسيين والهولانديين والبورتغاليين في ميدان الأراضي الهندية الواسعة فحازوا قصب السبقبما امتازوا به من الدهاء والمكر وبما ساعدهم على ذلك من غفلة الهنديين لذاك العهد أو طيب قلوبهم ، فمالت النفوس إلى الإنجليز اغترارا بوعودهم وتغلبوا على تلك البلاد واستقلوا بأمرها شيئاً فشيئاً وما أبقوا لغيرهم من الدول إلا مضائق من الأرض لاتذكر . وأول ما استمالوا به القلوب السالمة قولهم : إننا نريد تخليصكم من هذه الدول الظالمة ( فرنسا وهولاندا والبرتغال ) فإنها تريد التسلط على ممالككم ، أما نحن ( الإنجليز ) فلا نريد إلا تحريركم واستقلالكم . « وهكذا ترى الآن للإنجليز في الهند الأصلية والهند الصينية والبرمان سلطة على نحو مائتين وثمانين مليونا من النفوس ، جميعها كاره لتلك السلطة الإنجليزية ، شاخص ببصرة متطلع للتخلص منها ، يفضل أية سلطة سواها - ظالمة كانت أو عدلة - كأنما يتصور كل واحد من أفراد تلك الأمم أنه لا يوجد حكومة في العالم تبلغ في ظلمها مبلغ الإنجليز ولا تصل إلى ما وصل إليه لاإنجليز من الكبرياء والجبروت . ولكن مع هذه البغضاء الآخذة بقلوب أولئك الرعايا ومع سعة ديارهم وتباعد أرجائها وشدة ميلهم للتملص من تلك السلطة الظالمة ، لا يوجد قوة تقهرهم على الخضوع لتلك الحكومة المبغوضة إلا خمسون ألف جندي إنجليزى ! تأمل . فإنه لا